مصطفى مسلم
83
مباحث في إعجاز القرآن
قد أغسف النازح المجهول مغسفه * في ظل أخضر يدعو هامه البوم « 1 » للجنّ بالليل في حافاتها زجل * كما تناوح يوم الرّيح عيشوم « 2 » دوّية ودجى ليل كأنهما * يم تراطن في حافاته الروم « 3 » وقال أيضا : وكم عرّست بعد السرى من معرّس * به من كلام الجن أصواب سامر « 4 » وقال : ورمل عزيف الجن في عقباته * هزيز كتضراب المغنّين بالطبل « 5 » وإذا كان القوم يعتقدون كلام الجن ومخاطباتهم ، ويحكون عنهم ، وذلك القدر المحكي لا يزيد أمره على فصاحة العرب ، صح ما وصف عندهم من عجزهم عنه كعجز الإنس . ويبين ذلك من القرآن : أن اللّه تعالى حكى عن الجن ما تفاوضوا فيه من القرآن فقال : وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ( 29 ) [ الأحقاف : 29 ] ، إلى آخر ما حكى عنهم فيما يتلوه .
--> ( 1 ) أعسف : أسير على غير هداية . النازح : البعيد . والأخضر هنا : الأسود ، والمراد به الليل . وفي الديوان : » أغضف » أي أسود ، والهام : ذكر البوم ، وأنثاه الصدى . ( 2 ) حافاتها : جوانبها . زجل : صوت . عيشوم : من ضروب النبت يتخشخش إذا هبت عليه الريح . ( 3 ) الدوية : الفلاة ، واليم : البحر . الدجى : الليل . والرطانة : كلام العجم والروم وما ليس بعربي من اللغات . حافاته : جوانبه . شبه البرية وما تراكم عليها من سواد الليل بالبحر وأمواجه . ( 4 ) ديوانه ص 292 والحيوان 6 / 176 ، والتعريس : النزول آخر الليل للنوم والاستراحة . سامر : الذين يتحدثون بالليل . ( 5 ) ديوانه ص 488 ، والحيوان 6 / 176 . وفي الديوان : « في عقداته هدوءا » . وعزيف الجن : صوت يسمع بين الرمال . وعقدات الرمل : ما انعقد منه . هدوءا : أي بعد ساعة من الليل . هزيز : صوت ، يعني صوت الرحى وما أشبهها .